Are you being good for the sake of Allah, or for the eyes of people? | Urban Rugs

في عالمٍ يراقب ويقيِّم ويتفاعل على الدوام، يزداد صعوبة التمييز بين الإخلاص والتكلّف. فكثيرٌ من أعمالنا اليوم أصبحت ظاهرةً للناس، تُسجَّل وتُنشَر ويُحكَم عليها في لحظات. ومع مرور الوقت، قد يُؤثِّر هذا الظهور الخارجي في دوافعنا الداخلية تأثيرًا خفيًّا، حتى نصل إلى سؤالٍ جوهري: أهذا العمل لله، أم للناس؟

هذا السؤال ليس عابرًا، بل يمسّ صميم الروحانية في الإسلام. فمفهوم النيّة هو أساس العمل، وعليه تقوم قيمته عند الله، مهما صغُر أو عظُم. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم:

«إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى»

وهذا الحديث يقرّر أصلًا عظيمًا: أن العبرة ليست بصورة العمل في ظاهره، بل بحقيقته في باطن القلب. فالنية الصالحة تُحوِّل العادات إلى عبادات، وتجعل من أبسط الأفعال—كالابتسامة، والسعي في العمل، ومساعدة الآخرين—قُرَبًا يُتقرب بها إلى الله إذا أُريد بها وجهه.

وقد أكّد القرآن هذا المعنى فقال:

﴿وما أُمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين﴾ (سورة البينة 98:5)

غير أن الإخلاص من أدقّ مقامات القلوب وأصعبها، إذ لا يثبت مرةً واحدة، بل يحتاج إلى مجاهدةٍ دائمة ومراقبة مستمرة. فالنفس تميل إلى حب الثناء، وترتاح لمدح الناس وقبولهم. وهذه المعاني في أصلها ليست مذمومة، لكنها تُفسد العمل إذا تسلّلت إلى النية.

فقد يقوم العبد بالصلاة، أو الصدقة، أو القول الحسن، وفي قلبه رغبة خفيّة أن يُرى أو يُحمد. فيبقى العمل صالحًا في ظاهره، لكنه ينقص في باطنه. ومن هنا جاء التحذير من الرياء، لأنه يُحوِّل وجهة العمل من الخالق إلى المخلوق، ولو بقدرٍ يسير.

وقد قال الله تعالى:

﴿فويلٌ للمصلين ۝ الذين هم عن صلاتهم ساهون ۝ الذين هم يُراؤون﴾ (سورة الماعون 107:4–6)

فالرياء ليس مجرد إظهار العمل، بل هو ميل القلب إلى نظر الناس وطلب رضاهم. وقد يكون العمل صحيحًا في صورته، لكنه خالٍ من روحه إذا لم يُبتغَ به وجه الله.

ولهذا كانت محاسبة النفس من أعظم ما يعين على الإخلاص. فيسأل العبد نفسه: لِمَ فعلتُ هذا؟ ولمن أردتُ به؟ أكنتُ أفعله لو لم يطّلع عليه أحد؟ وهذه الأسئلة لا تُورث اليأس، بل تُوقظ القلب وتُصحّح المسار.

ويقول الله تعالى:

﴿قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين﴾ (سورة الأنعام 6:162)

فهذه الآية ترسم منهج حياةٍ كامل، يكون فيه كل شيءٍ لله: العبادة، والعمل، والحياة، والموت. وليس المقصود بلوغ الكمال، بل صدق التوجّه، والرجوع إلى الله كلما زلّ القلب.

ومن أعظم ما يُعين على ذلك إدراك أن رضا الناس متقلّب زائل، أما علم الله فثابت لا يتغيّر. فالناس قد يمدحون اليوم ويذمّون غدًا، أما الله فيعلم السرّ وأخفى.

قال تعالى:

﴿والله يعلم ما تُسرّون وما تُعلنون﴾ (سورة النحل 16:19)

فإذا استقرّ هذا المعنى في القلب، تحرّر العبد من التعلّق بنظر الناس، وأصبح عمله قائمًا على مراقبة الله وحده.

ومع ذلك، فالإخلاص لا يعني ترك العمل الظاهر، بل يعني تصفية القصد فيه. فقد يكون في إظهار الخير قدوةٌ للناس ونشرٌ للبر، بشرط أن يبقى القلب متوجّهًا إلى الله.

كما أن الإخلاص ليس حالًا ثابتًا، بل هو جهادٌ مستمر. وكلما جاهد العبد نفسه في تصحيح نيّته، أعانه الله وهداه.

قال تعالى:

﴿والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا﴾ (سورة العنكبوت 29:69)

وفي الختام، يبقى السؤال حاضرًا في كل لحظة: من تُريد أن تُرضي؟
فإن كان الناس، فالثمرة زائلة، وإن كان الله، فالأجر باقٍ لا ينفد.

فتأمّل في نفسك بصدق:
أأنت تفعل الخير ابتغاء وجه الله… أم طلبًا لنظر الناس؟

فبقدر ما تكون الإجابة، تكون حقيقة العمل، وتكون صلتك بالله وإيمانك.


اترك تعليقا

×